محمد بن جرير الطبري
152
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من الحزن بتكذيبهم إياه مع علمهم بصدقه أنهم أهل استحلال الحرام والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرشا والسحت ، وأنهم أهل إفك وكذب على الله وتحريف كتابه . ثم أعلمه أنه محل بهم خزيه في عاجل الدنيا ، وعقابه في آجل الآخرة ، فقال : هم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يعني هؤلاء المنافقين من اليهود ، يقول : هم يسمعون الكذب ، وسمعهم الكذب : سمعهم قول أحبارهم أن حكم الزاني المحصن في التوراة : التحميم والجلد ، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يقول : يسمعون لأهل الزاني الذين أرادوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم القوم الآخرون الذين لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا مصرين على أن يأتوه ، كما قال مجاهد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال مجاهد : سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ مع من أتوك واختلف أهل التأويل في السماعين للكذب السماعين لقوم آخرين ، فقال بعضهم : سماعون لقول آخرين يهود فدك ، والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، قال : ثنا زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن جابر في قوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ قال : يهود المدينة ؛ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ قال : يهود فدك يقولون ليهود المدينة : إن أوتيتم هذا فخذوه وقال آخرون : المعني بذلك قوم من اليهود كان أهل المرأة التي بغت بعثوا بهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها ، والباعثون بهم هم القوم الآخرون ، وهم أهل المرأة الفاجرة ، لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ كان بنو إسرائيل أنزل الله عليهم : إذا زنى منكم أحد فارجموه . فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم بنو إسرائيل ؛ فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه ، قام الخيار والأشراف بنو إسرائيل فمنعوه . ثم زنى رجل من الضعفاء ، فاجتمعوا ليرجموه ، فاجتمعت الضعفاء فقالوا : لا ترجموه حتى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعا فقالت بنو إسرائيل : إن هذا الأمر قد اشتد علينا ، فتعالوا فلنصلحه فتركوا الرجم ، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ويحممونه ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه ، ويسودون وجهه ، ويطوفون به . فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة ، فزنت امرأة من أشراف اليهود ، يقال لها بسرة ، فبعث أبوها بسرة ناسا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : سلوه عن الزنا وما نزل إليه فيه ؛ فإنا نخاف أن يفضحنا ويخبرنا بما صنعنا ، فإن أعطاكم الجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه . فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ، فقال : " الرجم " . فأنزل الله عز وجل : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : إن السماعين للكذب ، هم السماعون لقوم آخرين . وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة والمسموع لهم من يهود فدك ، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم . غير أنه أي ذلك كان ، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة ، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد ، وسألوا رسول الله عن الحكم اللازم لها ، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها . وإنما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم ليعلموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم ، فإن لم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكما فيهم ، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا